علوم التربيةفلسفة التربية

مراحل تطور الفكر الإنساني والسياق التاريخي لظهور ونشأة علوم التربية

أهم مراحل التطور الذي عرفه الفكر الإنساني و ظهور ونشأة علوم التربية

يمكن تعريف العلوم الإنسانية أنها مجموع الحقول المعرفية التي تتناول الظاهرة الإنسانية بمنهجية موضوعية في كل أبعادها العقلية و الوجدانية و الإجتماعية و الحس حركية. فكيف نشأت العلوم الإنسانية؟ و كيف حاولت مقاربة الظاهرة الإنسانية؟

فقد حاول الإنسان منذ الأزل بناء أنساقه المعرفية معتمدا في ذلك على قدراته العقلية و ما تمليه عليه الوسط الطبيعي. و بناء على ذلك ،  مر الإنسان بمجموعة من المراحل المتتالية و المتباينة من حيث التطور ، حاول من خلالها تفسير الظواهر. إجمالا يمكن اختزالها في أربعة مراحل رئيسية :

مراحل تطور الفكر الإنساني:

كان الإنسان في العصور البدائية يخاف من الظواهر الطبيعية، فكان يتوسل إلى الطبيعة لتحن عليه حتى لا يصاب بأذاها، فتمخض عن خوفه هذا تأليه الطبيعة: فتجده يعبد النار والعواصف  و المطر و البراكين لإعتقاده أن في ذلك نجاة من هذه الظواهر، فكانت هذه المرحلة مرحلة فكر خرافي بامتياز. فعلى مر العصور البدائية راكم الإنسان البدائي ثقافة بدائية استمرت ملايين السنين، إلا أنه استطاع في الأخير أن يتأقلم مع الطبيعة، عاملا بذلك على تطوير معاشه حسب ما و هب له الله من قدرات، فسخر الطبيعة لصالحه.

كما سبق وأن ذكرنا، لقد انتهت المرحلة الأولى إلى تأليه الطبيعة من طرف الإنسان البدائي، و هو موقف غارق في الجهل و التيه عن الطريق المستقيم و الانحياز عن طريق الحق، ففي مرحلة الأديان السماوية برز تأثير الفكر الديني في حياة الإنسان. بعد أرسل الله أنبياءه و حملهم رسالة التوحيد بعد أن اصطفاهم من العالمين، بدأ الصراع بين الحق والباطل: فكل كل نبي أو رسول إلا و حاجه قومه فيما أتى به، فساد الشك و البحث عن الحقيقة.

ومع  ازدهار الفكر الفلسفي، سعى فلاسفة اليونان لفهم حقيقة الوجود بالاستعانة بالعقل بغية الوصول إلى العلة الأولى للوجود. فكان موضوع الغيب يحتل المكانة البارزة نظرا لكونه يستقطب عامة الناس، فتهافت الفلاسفة في تناول موضوع الغيب و انتشرت أطروحات فلسفية في ظل الفلسفة اليونانية عمل الفلاسفة المسلمون بعد ذلك على تدارسها و انقسموا حولها الى معارض و موفق، و استمر ذلك الى حدود عصر النهضة الأوروبية وظهور طريقة أخرى في تناول القضايا مع ظهور المنهج العلمي.

إبان عصر النهضة، ستأخذ الفلسفة اتجاها آخر يمكن اعتباره حاسما في تاريخ الفكر الإنساني. ففي هذه المرحلة أعيد النظر في المسلمات وتم الكف عن البحث في عالم الغيبيات لكونه غير خاضع للتجربة وتم الاهتمام و توجيه البحث الى الظواهر الوجودية القابلة للملاحظة و التجريب. وفي هذه المرحلة استبدل المنهج التأملي الفلسفي بالمنهج العلمي التجريبي الذي يقوم على التنبأو التفسير في مقاربة الظواهر. وقد مكن هذا المنهج من تحقيق نتائج انبهر لها الباحثون في العلوم الإنسانية، فقد مكن العلماء من فهم الظواهر الطبيعية، بل أكثرمن ذلك، تم تبنيه في وقت لاحق لدراسة الظاهرة الإنسانية.

 الظاهرة الإنسانية كموضوع للمنهج التجريبي :

تتميز الظاهرة الإنسانية بمجموعة من المميزات: فهي التي تتميز بالقصدية والفردانية  و الحرية و التاريخية و غيرها من المميزات. رغم ذلك، حاول المبشرين بالمنهج الوضعي التجريبي في العلوم الإنسانية مقاربة الظاهرة الإنسانية واعتبر ذلك بمثابة قطيعة أبستمولوجيا مع الخطاب التأملي الفلسفي. وكان على رأس رواد المنهج الوضعي التجريبي إميل دوركايم الذي دعا إلى مقاربة الظواهر الاجتماعية باعتبارها أشياء خارجة عن ذات الباحث يمكن تناولها بموضوعية فقال ما مفاده :

” علينا أن نعتبر الظواهر الاجتماعية في ذاتها ظواهر مستقلة عن الذوات الواعية التي تتمثلها، علينا أن ندرسها من الخارج بوصفها خارج الذات، وذلك لأنها تعطانا من الخارج باعتبارها أشياء” .

لكن الموضوعية التي نادى بها إميل دوركايم تصطدم بمجموعة من العقبات التي ترجع أساسا الى خصوصيات الظاهرة الإنسانية الآنفة الذكر خاصة من ناحية التداخل بين الذات و الموضوع . يقول جان بياجي :

” تخلق وضعية التداخل بين الذات و الموضوع في العلوم الإنسانية صعوبات إضافية مقارنة بالعلوم الطبيعية، حيث أصبح من المعتاد الفصل بين الذات و الموضوع، فالذات في العلوم الفيزيائية ليست هي الموضوع، أما في العلوم الإنسانية فالذات الدارسة هي عين الموضوع”

إضافة الى مشكل الموضوعية، يضاف مشكل المنهج. فإذا كانت العلوم الدقيقة تعتمد المنهج التجريبي التفسير والتنبؤ في تفسير الظواهر فإن هذان الأخيران غير صالحان لدراسة الظاهرة الإنسانية. لذاك اقترح علماء الظاهرية la phénoménologie الفهم عوض التفسير. فيقترحون فهم الظاهرة في ذاتها بدل تفسيرها بغيرها وذلك بغية الكشف عن معناها الباطني، فالذاتية بهذا المفهوم مخالفة لما هي عليه في المنهج الوضعي التجريبي لأن ما يجري على الظواهر المادية لا يمكن أن ينطبق على الظاهرة الإنسانية. و انطلاقا مما سبق ، فليس ثمة نمودج علمي صالح لكل العلوم و ملائم لكل موضوع سواء كان إنسانيا أم طبيعيا.

من علم التربية الى علوم التربية :

لقد سايرت التربية الركب ونالت نصيبها من التأثر بالمنهج التجريبي، فكانت تسمية علم التربية la science de l’education ترمز الى ذلك العلم الذي يتوخى الرصانة والضبط  العلميين في سعيه في تناول الظواهر عوض تناول الظواهر الاجتماعية في شتى مظاهرها و أبعادها. فتبين للباحثين بعد ذلك أن الظاهرة التربوية أوسع وأعمق  بكثير من أن يستطيع علم واحد من الإحاطة بها فتمت إعادة النظر في التسمية ليعوض مصطلح علوم التربية les science de l’education مصطلح علم التربية، فأصبحت بعد ذلك علوم التربية هو ذلك العلم الذي يتناول الظاهرة الإنسانية المعروفة بتشعبها و التي تتظافر عدة علوم إنسانية لدراستها داخل مقاطعة تشكل ملتقى تتفاعل فيه هذه التخصصات و نتائج هذه العلوم تسمى البيداغوجيا و التي تمثل الشق النظري للعملية التربوية.

تقييم الموضوع

مراحل تطور الفكر الإنساني والسياق التاريخي لظهور ونشأة علوم التربية - 5

5

التقييم النهائي

مراحل تطور الفكر الإنساني والسياق التاريخي لظهور ونشأة علوم التربية

تقييم المستخدمون: 3.55 ( 2 أصوات)
الوسوم

مدونة نوابغ للتربية و التكوين

مدونة متخصصة في قضايا التربية و التكوين و منبر تربوي يهدف الى إغناء الساحة التربوية من خلال مساهمات السادة الأساتذة و الأستاذات في شتى مواضيع التربية و التكوين إضافة الى تقاسم الوثائق و التجارب في مجال التدريس وكافة الإجراءات المرتبطة بعمليات التعليم و التعلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق